الانتقال إلى المحتوى

مقالات

تاريخ النشر:

قمة بريكس 2026.. مصر أمام فرصة إعادة صياغة موقعها في الاقتصاد العالمي

قمة بريكس 2026.. مصر أمام فرصة إعادة صياغة موقعها في الاقتصاد العالمي

قمة بريكس 2026.. مصر أمام فرصة إعادة صياغة موقعها في الاقتصاد العالمي في لحظة يتغير فيها شكل الاقتصاد العالمي بسرعة وتتشابك فيها أزمات الطاقة وزيادة أسعار النفط مع الحروب والتوترات الجيوسياسية واضطراب التجارة وسلاسل الإمداد والحرب التجارية الأمريكية الصينية، تنعقد قمة بريكس الـ18 في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026 لتكون واحدة من أهم قمم المجموعة منذ تأسيسها. فالقمة لا تأتي في ظروف اقتصادية عادية، إذ تجاوز سعر خام برنت حاجز 105 دولارات مع استمرار المخاوف بشأن إمدادات الطاقة وحركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وهي أزمة ممرات تؤثر على التجارة العالمية، حيث إن اضطرابات الإمدادات قد تؤدي إلى انخفاض إمدادات البترول العالمية خلال 2026 بنحو 5.7 مليون برميل يوميًا. ومن هنا تأتي خصوصية قمة بريكس في نيودلهي، فهي لا تناقش فقط مستقبل التعاون بين الدول الناشئة، وإنما تنعقد في قلب عملية إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي، وتتزايد فيها أهمية أمن الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد والتمويل والمدفوعات الدولية. وتستضيف الهند القمة الـ18 تحت شعار بناء القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة، وهو شعار يعكس بوضوح أولويات الرئاسة الهندية لعام 2026، وهي بناء اقتصادات أكثر قدرة على مواجهة الصدمات وتعزيز التكنولوجيا والابتكار وتوسيع التعاون بين دول الجنوب العالمي ودعم التنمية المستدامة، كما تمثل قمة هذا العام محطة مهمة إذ تحل في العام الـ20 منذ نشأة تجمع بريكس بصورته الأولى عام 2006. وتضم بريكس حاليًا 11 دولة هي: البرازيل وروسيا والهند والصين ومصر وجنوب أفريقيا وإثيوبيا والسعودية والإمارات وإيران وإندونيسيا، وتمثل هذه الدول نحو 49.5% من سكان العالم و40% من الناتج العالمي و26% من التجارة العالمية، بما يجعلها كتلة ذات ثقل ديموغرافي واقتصادي وجيوسياسي لا يمكن تجاهله. وقد اتسعت عضوية المجموعة بصورة كبيرة منذ يناير 2024 بانضمام مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات، ثم انضمت إندونيسيا باعتبارها العضو الـ11 في يناير 2025. وهذا التوسع غيّر طبيعة بريكس نفسها، فلم تعد مجرد تجمع يضم الاقتصادات الأربع الكبرى التي شكلت BRIC في بدايتها، وإنما أصبحت تجمعًا يمتد عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، ويضم في داخله أكبر مستوردي الطاقة ومصدريها وقوى صناعية وتكنولوجية كبرى، ودولًا تمتلك موارد طبيعية ضخمة وأسواقًا استهلاكية واسعة. وفي قلب هذا التحول تأتي المشاركة المصرية. فمصر تشارك في قمة نيودلهي للمرة الثالثة على التوالي منذ انضمامها رسميًا إلى بريكس في يناير 2024، ويترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي الوفد المصري. لكن أهمية المشاركة المصرية لا يجب أن تقاس بمجرد استمرار الحضور السياسي وإنما بما تستطيع مصر أن تحققه اقتصاديًا من هذه العضوية. لأن بريكس بالنسبة لمصر يجب أن تتحول من عضوية سياسية إلى أداة للنمو والاستثمار والتصدير. وقد ارتفع حجم التجارة بين مصر ودول تحالف بريكس إلى 53.5 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 45 مليار دولار في 2024. وقفزت الصادرات المصرية إلى دول المجموعة من 9.451 مليار دولار إلى 13.772 مليار دولار، بنسبة نمو بلغت نحو 45.7%، بينما ارتفعت الواردات من 35.549 مليار دولار إلى 39.679 مليار دولار. وهذا يعني أن عضوية بريكس ساعدت بالفعل على زيادة التجارة المصرية مع أسواق مهمة، لكنها تكشف أيضًا عن اختلال هيكلي، إذ إن العجز التجاري مع دول المجموعة يظل كبيرًا، وهو ما يعني أن المطلوب ليس فقط زيادة حجم التجارة وإنما تغيير هيكلها لصالح الصادرات والاستثمار والإنتاج المحلي. والأكثر أهمية أن أحدث بيانات النصف الأول من 2026 تؤكد هذه الملاحظة. فقد ارتفع إجمالي التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس بنسبة 25.5% إلى 36.7 مليار دولار مقابل 29.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، لكن الواردات المصرية قفزت بنسبة 38.1% إلى 30.1 مليار دولار. وهنا يجب أن تكون الرسالة المصرية واضحة: نحن لا نريد بريكس سوقًا نستورد منها فقط، وإنما نريدها قاعدة للإنتاج والاستثمار المشترك والتصدير. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الموقع الجغرافي لمصر ميزة اقتصادية استراتيجية، فمصر تمتلك قناة السويس وموانئ البحرين الأحمر والمتوسط والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وسوقًا محلية كبيرة واتفاقيات تجارية مع أفريقيا والدول العربية وأوروبا، وبالتالي يمكنها أن تتحول إلى منصة إنتاج وتصدير للشركات الصينية والهندية والروسية وغيرها. بمعنى آخر يجب أن يتحول النموذج من مفهوم التجارة بين الصين أو الهند أو روسيا، أعضاء بريكس، إلى مصر، ليصبح الاتجاه نحو التصنيع وتوطين التكنولوجيا مع الصين والهند وروسيا وباقي دول تحالف بريكس مع مصر، والإنتاج في مصر للتصدير إلى أفريقيا والعالم العربي وأوروبا، ولا شك أن هنا تكمن القيمة الحقيقية للعضوية المصرية في بريكس. فالصين تمثل الشريك الأكبر لمصر داخل بريكس، والهند تمتلك قاعدة استثمارية وصناعية مهمة في مصر، حيث توجد في مصر أكثر من 700 شركة هندية مسجلة، مع وجود نحو 70 مصنعًا وشركة نشطة بإجمالي استثمارات يتجاوز 5 مليارات دولار. أما روسيا فتكتسب أهمية استثنائية في هذه المرحلة، ليس فقط باعتبارها شريكًا تجاريًا، وإنما باعتبارها شريكًا في الطاقة والغذاء والصناعة والمشروعات الاستراتيجية. ولاشك أن اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي يحمل أهمية خاصة. وخلال اللقاء، أكد الرئيس السيسي أن حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا يصل إلى 10 مليارات دولار، مع استمرار التوافق بين القاهرة وموسكو بشأن المشروعات الكبرى وعلى رأسها مشروع محطة الضبعة النووية واستمرار إمدادات الحبوب إلى مصر في ظل الظروف والأزمات الراهنة، خاصة أزمة الممرات. كما أن هذا اللقاء يجب قراءته اقتصاديًا بصورة أوسع من مجرد العلاقات الثنائية، فمحطة الضبعة تمثل بالنسبة لمصر مشروعًا للطاقة ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، بينما يمكن للتعاون الصناعي الروسي في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أن يفتح المجال أمام إنتاج موجه للسوق المصرية والأسواق الأفريقية والعربية. كما أن الأمن الغذائي أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي المصري، خصوصًا مع اعتماد مصر على واردات كبيرة من الحبوب وفي مقدمتها الواردات من روسيا وأوكرانيا، وعلى رأسها القمح والذرة والشعير، وهو ما يجعل استقرار سلاسل الإمداد قضية استراتيجية وليست مجرد ملف تجاري. وتزداد أهمية ذلك في ظل أزمة الطاقة الحالية. فارتفاع النفط فوق 105 دولارات لا يعني فقط زيادة تكلفة البنزين أو المنتجات البترولية، وإنما يعني ارتفاع تكلفة النقل والتأمين والشحن والصناعة والغذاء، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة. وبالنسبة لمصر فإن ارتفاع البترول يمثل تحديًا للموازنة وتكلفة الاستيراد، لكنه في الوقت نفسه يخلق فرصة، لأن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية يزيد من أهمية الدول التي تمتلك مواقع استراتيجية وموانئ وممرات تجارية وبنية صناعية. ومن هنا يمكن لمصر أن تستفيد من الأزمة بدلًا من أن تكون مجرد متلقٍ لتداعياتها، فإذا نجحت في تحويل قناة السويس والمنطقة الاقتصادية إلى مركز للتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير. وهنا تأتي أهمية ما طرحه الرئيس السيسي في قمة بريكس بشأن أزمة الطاقة وأمن الطاقة، وهي رؤية تتجاوز مجرد التعامل مع ارتفاع أسعار البترول إلى مفهوم أوسع للأمن الاقتصادي. فأزمة الطاقة الحالية تؤكد أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة يتم شراؤها وبيعها في الأسواق، وإنما أصبحت أحد محددات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي وقدرة الدول على تحقيق النمو. فعندما ترتفع أسعار النفط والغاز بصورة حادة، فإن التأثير لا يتوقف عند فاتورة استيراد الطاقة، وإنما ينتقل إلى الموازنة العامة، والعملة الأجنبية، والتضخم، وتكلفة الإنتاج، والنقل، والغذاء، وبالتالي إلى القوة الشرائية للمواطن. ولهذا فإن حديث الرئيس السيسي عن أمن الطاقة يجب أن يُقرأ باعتباره جزءًا من معادلة اقتصادية متكاملة: أمن الطاقة يعني في النهاية أمن الموازنة وأمن الصناعة وأمن الغذاء وأمن النقد الأجنبي. ومصر تحديدًا أمام معادلة شديدة الحساسية، لأنها دولة منتجة للطاقة لكنها في الوقت نفسه قد تحتاج إلى استيراد بعض احتياجاتها من الغاز أو المنتجات البترولية في فترات معينة، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار العالمية قد يحول جزءًا من الوفر أو العائد المحلي إلى ضغط إضافي على فاتورة الاستيراد والموازنة. ومن هنا فإن الحل الاستراتيجي لا يتمثل فقط في البحث عن مصادر إضافية للنفط والغاز، وإنما في تنويع مزيج الطاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتقليل كثافة استخدام الوقود في الصناعة والنقل، لأن كل وحدة طاقة يتم توفيرها تعني في النهاية دولارًا يتم توفيره من فاتورة الاستيراد. وهنا تظهر أهمية مشروع الضبعة والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وشبكات الكهرباء والتوسع في الربط الكهربائي. فتنويع مصادر الطاقة لا يخفض فقط مخاطر الصدمات الخارجية، وإنما يخلق أيضًا قاعدة جديدة للصناعة والاستثمار. والأهم أن أمن الطاقة يمكن أن يتحول من عبء مالي إلى ميزة تنافسية إذا استطاعت مصر توفير طاقة مستقرة وتنافسية للمصانع والمستثمرين. فالمستثمر الصناعي لا يبحث فقط عن الأرض والحوافز والإعفاءات، وإنما يبحث عن الكهرباء والغاز والمياه والنقل والموانئ والطاقة بأسعار مستقرة يمكنه بناء خطته الاستثمارية عليها. ومن هنا فإن أزمة الطاقة العالمية يمكن أن تكون فرصة لمصر لتقديم نفسها كمركز صناعي ولوجستي إقليمي، خصوصًا إذا تم ربط الطاقة بالموانئ والمناطق الصناعية ومراكز التصدير. أما القضية الثانية شديدة الأهمية في كلمة الرئيس السيسي فهي قضية الحيز المالي. فالرئيس أشار بوضوح إلى أن الديون وضيق الحيز المالي أصبحا تحديًا متزايدًا أمام الدول، ودعا إلى إصلاح الهيكل المالي الدولي وتطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة وتعزيز دور بنك التنمية الجديد. (فيتو) وهذه ليست قضية مصرية فقط، وإنما قضية معظم الاقتصادات الناشئة. فالدولة عندما ترتفع تكلفة خدمة الدين، تتقلص قدرتها على توجيه مواردها إلى الاستثمار في التعليم والصحة والبنية الأساسية والطاقة والصناعة، وهو ما يعرف اقتصاديًا بتقلص الحيز المالي. وتزداد خطورة هذه المشكلة عندما تحدث أزمة طاقة في الوقت نفسه. فإذا ارتفعت أسعار النفط، ترتفع فاتورة الاستيراد، وقد ترتفع احتياجات الدعم أو الحماية الاجتماعية، بينما تتراجع قدرة الموازنة على تحمل صدمات إضافية بسبب ارتفاع خدمة الدين. وهنا تصبح المعادلة شديدة الوضوح: ارتفاع أسعار الطاقة + ارتفاع تكلفة التمويل + ارتفاع احتياجات الحماية الاجتماعية = ضيق أكبر في الحيز المالي. ولهذا فإن دعوة الرئيس إلى إصلاح النظام المالي الدولي ليست مجرد دعوة سياسية، وإنما لها انعكاس مباشر على قدرة الدول النامية على تمويل التنمية. وبالنسبة لمصر، فإن توسيع الحيز المالي لا يعني فقط زيادة الإيرادات أو خفض الإنفاق، وإنما يعني تحسين جودة الإنفاق العام، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وتحويل الاستثمار العام إلى استثمار يولد عائدًا اقتصاديًا، وزيادة الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وخفض تكلفة التمويل، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق. وتستهدف موازنة مصر للعام المالي 2026/2027 إيرادات تقارب 4 تريليونات جنيه ومصروفات نحو 5.1 تريليون جنيه، مع فائض أولي مستهدف بنحو 1.2 تريليون جنيه، أي 5% من الناتج المحلي، وهو ما يعكس محاولة لخلق مساحة أكبر لإدارة الدين والحماية الاجتماعية في الوقت نفسه. (SIS) لكن التحدي الحقيقي هو أن أي صدمة جديدة في أسعار الطاقة أو الغذاء يمكن أن تضغط على هذه المساحة المالية. ولذلك فإن أمن الطاقة ليس ملفًا منفصلًا عن الإصلاح المالي، وإنما أحد شروط الحفاظ على الحيز المالي نفسه. ومن هنا فإن دور بريكس يمكن أن يصبح أكثر أهمية لمصر إذا تحول من مجرد منتدى للحوار إلى منصة للحصول على تمويل تنموي ميسر، وتمويل مشروعات الطاقة والنقل والمياه والصناعة واللوجستيات، بما يقلل الاعتماد على التمويل التجاري مرتفع التكلفة. وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة: المطلوب ليس المزيد من الاقتراض، وإنما تمويل أكثر ذكاءً. أي تمويل يرتبط بمشروعات قادرة على توليد إيرادات أو توفير عملة أجنبية أو خفض فاتورة الاستيراد أو زيادة الإنتاج والصادرات. فإذا حصلت مصر مثلًا على تمويل ميسر لمشروع طاقة متجددة يخفض استيراد الوقود، فإن هذا التمويل لا يمثل مجرد دين جديد، وإنما استثمارًا في خفض الطلب على العملة الأجنبية. وإذا تم تمويل مشروع لوجستي أو صناعي يرفع الصادرات، فإن العائد الاقتصادي يمكن أن يساعد على خدمة التمويل نفسه. وهنا يمكن أن يكون بنك التنمية الجديد التابع لبريكس أداة مهمة، بشرط أن تنتقل مصر من تقديم مشروعات بنية أساسية ضخمة إلى تقديم حزمة مشروعات ذات عائد اقتصادي واضح، قابلة للتمويل، وتستطيع جذب القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي. أما الملف الذي قد يكون أحد أهم مخرجات قمة نيودلهي فهو المدفوعات والعملات المحلية. ومن المهم هنا تصحيح تصور شائع: بريكس لا تتجه بالضرورة إلى إنشاء عملة موحدة في المستقبل القريب، فالاتجاه الأكثر واقعية هو تطوير أنظمة دفع عابرة للحدود وربط البنية التحتية المالية والرقمية وزيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار. وهذا مهم جدًا لمصر لأن تقليل الاعتماد على الدولار في بعض المعاملات التجارية يمكن أن يخفض تكلفة التحويلات ويقلل الحاجة إلى استخدام الدولار كعملة وسيطة، خصوصًا في التجارة مع دول لديها أحجام كبيرة من التبادل التجاري مع مصر. لكن النجاح هنا يتطلب التدرج، لأن العملات الوطنية ليست متساوية في القوة والاستقرار، كما أن اختلال الميزان التجاري بين الدول يمكن أن يجعل التسويات بالعملات المحلية أكثر تعقيدًا. ومن الملفات التي يجب أن تعطيها مصر أولوية أكبر أيضًا بنك التنمية الجديد NDB الذي أنشأته بريكس لتمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة. فالقيمة الحقيقية للبنك بالنسبة لمصر ليست في العضوية وحدها، وإنما في قدرة مصر على تحويل المشروعات الكبرى في الطاقة والنقل والمياه والرقمنة والصناعة إلى مشروعات قابلة للتمويل. وفي تقديري يجب أن تركز مصر في المرحلة المقبلة على خمسة أهداف اقتصادية واضحة من عضوية بريكس: رفع الصادرات المصرية إلى دول المجموعة، وجذب استثمارات صناعية مباشرة، ونقل وتوطين التكنولوجيا، وزيادة التمويل التنموي، وأخيرًا تطوير آليات للتجارة بالعملات الوطنية. ويجب أن يكون الهدف الانتقال تدريجيًا بالصادرات المصرية إلى بريكس من نحو 14 مليار دولار حاليًا إلى 20 ثم 25 مليار دولار، مع التركيز على المنتجات ذات القيمة المضافة وليس فقط السلع الأولية. كما يجب جذب الشركات الصينية والهندية والروسية والإماراتية والسعودية والإندونيسية والبرازيلية إلى التصنيع داخل مصر، وليس الاكتفاء بدخول منتجاتها إلى السوق المصرية. والأهم هو استغلال الموقع المصري باعتباره حلقة وصل بين بريكس وأفريقيا، فالدولة التي تستطيع أن تقدم للمستثمر الآسيوي أو الروسي ليس فقط سوقًا محلية، وإنما أيضًا بوابة إلى أسواق القارة الأفريقية والعالم العربي وأوروبا، ستكون أكثر قدرة على جذب الاستثمار طويل الأجل. ومع ذلك يجب ألا ننظر إلى بريكس باعتبارها بديلًا فوريًا للنظام الاقتصادي الغربي أو الدولار، فداخل المجموعة نفسها توجد اختلافات كبيرة بين الصين والهند، وبين روسيا والدول الغربية، وبين إيران وبعض دول الخليج، كما تختلف مصالح الدول الأعضاء في التجارة والسياسة والطاقة. ولذلك فإن مستقبل بريكس الأكثر واقعية هو بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر تعددًا في مراكز القوة، وليس إلغاء النظام الحالي واستبداله بنظام آخر بين ليلة وضحاها. وهنا تكمن أهمية السياسة المصرية المتوازنة، فمصر ليست مطالبة بالاختيار بين بريكس والغرب، وإنما تستطيع أن تتعامل مع الجميع وفق مصالحها الاقتصادية. عضوية بريكس يجب أن تكون أداة لتنويع الشراكات والأسواق ومصادر التمويل والاستثمار، لا أداة للدخول في استقطاب سياسي أو اقتصادي. ولا شك أن قمة نيودلهي تمثل بالنسبة لمصر نقطة انتقال من مرحلة «العضوية» إلى مرحلة «تعظيم العائد من العضوية». فنجاح مصر في بريكس لن يقاس بعدد القمم التي تحضرها، ولا بعدد البيانات المشتركة، وإنما بعدد المصانع التي يتم إنشاؤها، وحجم الاستثمارات الجديدة، وقيمة الصادرات التي ترتفع، وحجم التكنولوجيا التي يتم توطينها، وعدد فرص العمل التي يتم خلقها، وحجم الواردات التي يمكن إحلال الإنتاج المحلي محلها. والهدف الاستراتيجي الأكبر يجب أن يكون تحويل مصر إلى منصة اقتصادية تربط بريكس بأفريقيا والعالم العربي وأوروبا، فمصر تملك الموقع وقناة السويس والسوق والعمالة والبنية الأساسية والموانئ والمناطق الاقتصادية والعلاقات التجارية المتنوعة، وما ينقص هو تعظيم القيمة المضافة لهذه المزايا من خلال الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والتصدير. ومن هنا فإن لقاء الرئيس السيسي بالرئيس بوتين يحمل دلالة اقتصادية تتجاوز العلاقات المصرية الروسية، فهو نموذج لما يجب أن تكون عليه مشاركة مصر في بريكس: شراكات استراتيجية تتحول إلى مشروعات، ومشروعات تتحول إلى إنتاج، وإنتاج يتحول إلى صادرات، وصادرات تتحول إلى عملة صعبة وفرص عمل ونمو اقتصادي. والأهم أن كلمة الرئيس السيسي في القمة طرحت معادلة اقتصادية شديدة الأهمية: لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون أمن الطاقة، ولا يمكن تحقيق أمن الطاقة دون استثمارات وتمويل، ولا يمكن توفير التمويل دون حيز مالي، ولا يمكن توسيع الحيز المالي دون نمو وصادرات واستثمار وإنتاج. وهذه هي الحلقة التي يجب أن تعمل مصر على إغلاقها خلال السنوات المقبلة. فالعالم لا يتجه فقط نحو تعدد الأقطاب السياسية، وإنما نحو تعدد مراكز الإنتاج والتمويل والطاقة والتكنولوجيا والتجارة. وإذا أحسنت مصر استغلال عضويتها في بريكس، فإنها تستطيع أن تنتقل من كونها دولة تشارك في تكتل اقتصادي صاعد إلى دولة تمتلك دورًا محوريًا في الربط بين مراكز الاقتصاد العالمي الجديدة والأسواق الأفريقية والعربية. فالفرصة الحقيقية أمام مصر ليست أن تكون عضوًا في بريكس، وإنما أن تجعل بريكس تستثمر وتنتج وتصدر من مصر. وعندها فقط تتحول العضوية من مكسب دبلوماسي إلى قوة اقتصادية حقيقية، ومن حضور في القمم إلى حضور مؤثر في خريطة الاقتصاد العالمي. د. عبد المنعم السيد المستشار المالي مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية

قمة بريكس 2026.. مصر أمام فرصة إعادة صياغة موقعها في الاقتصاد العالمي

في لحظة يتغير فيها شكل الاقتصاد العالمي بسرعة وتتشابك فيها أزمات الطاقة وزيادة أسعار النفط مع الحروب والتوترات الجيوسياسية واضطراب التجارة وسلاسل الإمداد والحرب التجارية الأمريكية الصينية، تنعقد قمة بريكس الـ18 في نيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر 2026 لتكون واحدة من أهم قمم المجموعة منذ تأسيسها. فالقمة لا تأتي في ظروف اقتصادية عادية، إذ تجاوز سعر خام برنت حاجز 105 دولارات مع استمرار المخاوف بشأن إمدادات الطاقة وحركة الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وهي أزمة ممرات تؤثر على التجارة العالمية، حيث إن اضطرابات الإمدادات قد تؤدي إلى انخفاض إمدادات البترول العالمية خلال 2026 بنحو 5.7 مليون برميل يوميًا.

ومن هنا تأتي خصوصية قمة بريكس في نيودلهي، فهي لا تناقش فقط مستقبل التعاون بين الدول الناشئة، وإنما تنعقد في قلب عملية إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي، وتتزايد فيها أهمية أمن الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد والتمويل والمدفوعات الدولية.

وتستضيف الهند القمة الـ18 تحت شعار بناء القدرة على الصمود والابتكار والتعاون والاستدامة، وهو شعار يعكس بوضوح أولويات الرئاسة الهندية لعام 2026، وهي بناء اقتصادات أكثر قدرة على مواجهة الصدمات وتعزيز التكنولوجيا والابتكار وتوسيع التعاون بين دول الجنوب العالمي ودعم التنمية المستدامة، كما تمثل قمة هذا العام محطة مهمة إذ تحل في العام الـ20 منذ نشأة تجمع بريكس بصورته الأولى عام 2006.

وتضم بريكس حاليًا 11 دولة هي: البرازيل وروسيا والهند والصين ومصر وجنوب أفريقيا وإثيوبيا والسعودية والإمارات وإيران وإندونيسيا، وتمثل هذه الدول نحو 49.5% من سكان العالم و40% من الناتج العالمي و26% من التجارة العالمية، بما يجعلها كتلة ذات ثقل ديموغرافي واقتصادي وجيوسياسي لا يمكن تجاهله.

وقد اتسعت عضوية المجموعة بصورة كبيرة منذ يناير 2024 بانضمام مصر وإثيوبيا وإيران والسعودية والإمارات، ثم انضمت إندونيسيا باعتبارها العضو الـ11 في يناير 2025.

وهذا التوسع غيّر طبيعة بريكس نفسها، فلم تعد مجرد تجمع يضم الاقتصادات الأربع الكبرى التي شكلت BRIC في بدايتها، وإنما أصبحت تجمعًا يمتد عبر آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، ويضم في داخله أكبر مستوردي الطاقة ومصدريها وقوى صناعية وتكنولوجية كبرى، ودولًا تمتلك موارد طبيعية ضخمة وأسواقًا استهلاكية واسعة.

وفي قلب هذا التحول تأتي المشاركة المصرية. فمصر تشارك في قمة نيودلهي للمرة الثالثة على التوالي منذ انضمامها رسميًا إلى بريكس في يناير 2024، ويترأس الرئيس عبد الفتاح السيسي الوفد المصري.

لكن أهمية المشاركة المصرية لا يجب أن تقاس بمجرد استمرار الحضور السياسي وإنما بما تستطيع مصر أن تحققه اقتصاديًا من هذه العضوية.

لأن بريكس بالنسبة لمصر يجب أن تتحول من عضوية سياسية إلى أداة للنمو والاستثمار والتصدير.

وقد ارتفع حجم التجارة بين مصر ودول تحالف بريكس إلى 53.5 مليار دولار خلال عام 2025، مقابل 45 مليار دولار في 2024. وقفزت الصادرات المصرية إلى دول المجموعة من 9.451 مليار دولار إلى 13.772 مليار دولار، بنسبة نمو بلغت نحو 45.7%، بينما ارتفعت الواردات من 35.549 مليار دولار إلى 39.679 مليار دولار.

وهذا يعني أن عضوية بريكس ساعدت بالفعل على زيادة التجارة المصرية مع أسواق مهمة، لكنها تكشف أيضًا عن اختلال هيكلي، إذ إن العجز التجاري مع دول المجموعة يظل كبيرًا، وهو ما يعني أن المطلوب ليس فقط زيادة حجم التجارة وإنما تغيير هيكلها لصالح الصادرات والاستثمار والإنتاج المحلي.

والأكثر أهمية أن أحدث بيانات النصف الأول من 2026 تؤكد هذه الملاحظة. فقد ارتفع إجمالي التبادل التجاري بين مصر ودول بريكس بنسبة 25.5% إلى 36.7 مليار دولار مقابل 29.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2025، لكن الواردات المصرية قفزت بنسبة 38.1% إلى 30.1 مليار دولار.

وهنا يجب أن تكون الرسالة المصرية واضحة: نحن لا نريد بريكس سوقًا نستورد منها فقط، وإنما نريدها قاعدة للإنتاج والاستثمار المشترك والتصدير.

وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل الموقع الجغرافي لمصر ميزة اقتصادية استراتيجية، فمصر تمتلك قناة السويس وموانئ البحرين الأحمر والمتوسط والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وسوقًا محلية كبيرة واتفاقيات تجارية مع أفريقيا والدول العربية وأوروبا، وبالتالي يمكنها أن تتحول إلى منصة إنتاج وتصدير للشركات الصينية والهندية والروسية وغيرها.

بمعنى آخر يجب أن يتحول النموذج من مفهوم التجارة بين الصين أو الهند أو روسيا، أعضاء بريكس، إلى مصر، ليصبح الاتجاه نحو التصنيع وتوطين التكنولوجيا مع الصين والهند وروسيا وباقي دول تحالف بريكس مع مصر، والإنتاج في مصر للتصدير إلى أفريقيا والعالم العربي وأوروبا، ولا شك أن هنا تكمن القيمة الحقيقية للعضوية المصرية في بريكس.

فالصين تمثل الشريك الأكبر لمصر داخل بريكس، والهند تمتلك قاعدة استثمارية وصناعية مهمة في مصر، حيث توجد في مصر أكثر من 700 شركة هندية مسجلة، مع وجود نحو 70 مصنعًا وشركة نشطة بإجمالي استثمارات يتجاوز 5 مليارات دولار.

أما روسيا فتكتسب أهمية استثنائية في هذه المرحلة، ليس فقط باعتبارها شريكًا تجاريًا، وإنما باعتبارها شريكًا في الطاقة والغذاء والصناعة والمشروعات الاستراتيجية.

ولاشك أن اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي يحمل أهمية خاصة. وخلال اللقاء، أكد الرئيس السيسي أن حجم التبادل التجاري بين مصر وروسيا يصل إلى 10 مليارات دولار، مع استمرار التوافق بين القاهرة وموسكو بشأن المشروعات الكبرى وعلى رأسها مشروع محطة الضبعة النووية واستمرار إمدادات الحبوب إلى مصر في ظل الظروف والأزمات الراهنة، خاصة أزمة الممرات.

كما أن هذا اللقاء يجب قراءته اقتصاديًا بصورة أوسع من مجرد العلاقات الثنائية، فمحطة الضبعة تمثل بالنسبة لمصر مشروعًا للطاقة ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات، بينما يمكن للتعاون الصناعي الروسي في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أن يفتح المجال أمام إنتاج موجه للسوق المصرية والأسواق الأفريقية والعربية.

كما أن الأمن الغذائي أصبح جزءًا أساسيًا من الأمن الاقتصادي المصري، خصوصًا مع اعتماد مصر على واردات كبيرة من الحبوب وفي مقدمتها الواردات من روسيا وأوكرانيا، وعلى رأسها القمح والذرة والشعير، وهو ما يجعل استقرار سلاسل الإمداد قضية استراتيجية وليست مجرد ملف تجاري.

وتزداد أهمية ذلك في ظل أزمة الطاقة الحالية. فارتفاع النفط فوق 105 دولارات لا يعني فقط زيادة تكلفة البنزين أو المنتجات البترولية، وإنما يعني ارتفاع تكلفة النقل والتأمين والشحن والصناعة والغذاء، وبالتالي زيادة الضغوط التضخمية على الاقتصادات المستوردة للطاقة.

وبالنسبة لمصر فإن ارتفاع البترول يمثل تحديًا للموازنة وتكلفة الاستيراد، لكنه في الوقت نفسه يخلق فرصة، لأن اضطراب سلاسل الإمداد العالمية يزيد من أهمية الدول التي تمتلك مواقع استراتيجية وموانئ وممرات تجارية وبنية صناعية.

ومن هنا يمكن لمصر أن تستفيد من الأزمة بدلًا من أن تكون مجرد متلقٍ لتداعياتها، فإذا نجحت في تحويل قناة السويس والمنطقة الاقتصادية إلى مركز للتصنيع والتخزين والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.

وهنا تأتي أهمية ما طرحه الرئيس السيسي في قمة بريكس بشأن أزمة الطاقة وأمن الطاقة، وهي رؤية تتجاوز مجرد التعامل مع ارتفاع أسعار البترول إلى مفهوم أوسع للأمن الاقتصادي.

فأزمة الطاقة الحالية تؤكد أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة يتم شراؤها وبيعها في الأسواق، وإنما أصبحت أحد محددات الأمن القومي والاستقرار الاقتصادي وقدرة الدول على تحقيق النمو. فعندما ترتفع أسعار النفط والغاز بصورة حادة، فإن التأثير لا يتوقف عند فاتورة استيراد الطاقة، وإنما ينتقل إلى الموازنة العامة، والعملة الأجنبية، والتضخم، وتكلفة الإنتاج، والنقل، والغذاء، وبالتالي إلى القوة الشرائية للمواطن.

ولهذا فإن حديث الرئيس السيسي عن أمن الطاقة يجب أن يُقرأ باعتباره جزءًا من معادلة اقتصادية متكاملة: أمن الطاقة يعني في النهاية أمن الموازنة وأمن الصناعة وأمن الغذاء وأمن النقد الأجنبي.

ومصر تحديدًا أمام معادلة شديدة الحساسية، لأنها دولة منتجة للطاقة لكنها في الوقت نفسه قد تحتاج إلى استيراد بعض احتياجاتها من الغاز أو المنتجات البترولية في فترات معينة، وبالتالي فإن ارتفاع الأسعار العالمية قد يحول جزءًا من الوفر أو العائد المحلي إلى ضغط إضافي على فاتورة الاستيراد والموازنة.

ومن هنا فإن الحل الاستراتيجي لا يتمثل فقط في البحث عن مصادر إضافية للنفط والغاز، وإنما في تنويع مزيج الطاقة، والتوسع في الطاقة المتجددة، والطاقة النووية، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتقليل كثافة استخدام الوقود في الصناعة والنقل، لأن كل وحدة طاقة يتم توفيرها تعني في النهاية دولارًا يتم توفيره من فاتورة الاستيراد.

وهنا تظهر أهمية مشروع الضبعة والطاقة الشمسية وطاقة الرياح وشبكات الكهرباء والتوسع في الربط الكهربائي. فتنويع مصادر الطاقة لا يخفض فقط مخاطر الصدمات الخارجية، وإنما يخلق أيضًا قاعدة جديدة للصناعة والاستثمار.

والأهم أن أمن الطاقة يمكن أن يتحول من عبء مالي إلى ميزة تنافسية إذا استطاعت مصر توفير طاقة مستقرة وتنافسية للمصانع والمستثمرين. فالمستثمر الصناعي لا يبحث فقط عن الأرض والحوافز والإعفاءات، وإنما يبحث عن الكهرباء والغاز والمياه والنقل والموانئ والطاقة بأسعار مستقرة يمكنه بناء خطته الاستثمارية عليها.

ومن هنا فإن أزمة الطاقة العالمية يمكن أن تكون فرصة لمصر لتقديم نفسها كمركز صناعي ولوجستي إقليمي، خصوصًا إذا تم ربط الطاقة بالموانئ والمناطق الصناعية ومراكز التصدير.

أما القضية الثانية شديدة الأهمية في كلمة الرئيس السيسي فهي قضية الحيز المالي.

فالرئيس أشار بوضوح إلى أن الديون وضيق الحيز المالي أصبحا تحديًا متزايدًا أمام الدول، ودعا إلى إصلاح الهيكل المالي الدولي وتطوير أدوات تمويل مبتكرة وميسرة وتعزيز دور بنك التنمية الجديد. (فيتو)

وهذه ليست قضية مصرية فقط، وإنما قضية معظم الاقتصادات الناشئة. فالدولة عندما ترتفع تكلفة خدمة الدين، تتقلص قدرتها على توجيه مواردها إلى الاستثمار في التعليم والصحة والبنية الأساسية والطاقة والصناعة، وهو ما يعرف اقتصاديًا بتقلص الحيز المالي.

وتزداد خطورة هذه المشكلة عندما تحدث أزمة طاقة في الوقت نفسه. فإذا ارتفعت أسعار النفط، ترتفع فاتورة الاستيراد، وقد ترتفع احتياجات الدعم أو الحماية الاجتماعية، بينما تتراجع قدرة الموازنة على تحمل صدمات إضافية بسبب ارتفاع خدمة الدين.

وهنا تصبح المعادلة شديدة الوضوح: ارتفاع أسعار الطاقة + ارتفاع تكلفة التمويل + ارتفاع احتياجات الحماية الاجتماعية = ضيق أكبر في الحيز المالي.

ولهذا فإن دعوة الرئيس إلى إصلاح النظام المالي الدولي ليست مجرد دعوة سياسية، وإنما لها انعكاس مباشر على قدرة الدول النامية على تمويل التنمية.

وبالنسبة لمصر، فإن توسيع الحيز المالي لا يعني فقط زيادة الإيرادات أو خفض الإنفاق، وإنما يعني تحسين جودة الإنفاق العام، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، وتحويل الاستثمار العام إلى استثمار يولد عائدًا اقتصاديًا، وزيادة الصادرات والاستثمارات الأجنبية المباشرة، وخفض تكلفة التمويل، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.

وتستهدف موازنة مصر للعام المالي 2026/2027 إيرادات تقارب 4 تريليونات جنيه ومصروفات نحو 5.1 تريليون جنيه، مع فائض أولي مستهدف بنحو 1.2 تريليون جنيه، أي 5% من الناتج المحلي، وهو ما يعكس محاولة لخلق مساحة أكبر لإدارة الدين والحماية الاجتماعية في الوقت نفسه. (SIS)

لكن التحدي الحقيقي هو أن أي صدمة جديدة في أسعار الطاقة أو الغذاء يمكن أن تضغط على هذه المساحة المالية. ولذلك فإن أمن الطاقة ليس ملفًا منفصلًا عن الإصلاح المالي، وإنما أحد شروط الحفاظ على الحيز المالي نفسه.

ومن هنا فإن دور بريكس يمكن أن يصبح أكثر أهمية لمصر إذا تحول من مجرد منتدى للحوار إلى منصة للحصول على تمويل تنموي ميسر، وتمويل مشروعات الطاقة والنقل والمياه والصناعة واللوجستيات، بما يقلل الاعتماد على التمويل التجاري مرتفع التكلفة.

وهذا يقودنا إلى نقطة مهمة: المطلوب ليس المزيد من الاقتراض، وإنما تمويل أكثر ذكاءً. أي تمويل يرتبط بمشروعات قادرة على توليد إيرادات أو توفير عملة أجنبية أو خفض فاتورة الاستيراد أو زيادة الإنتاج والصادرات.

فإذا حصلت مصر مثلًا على تمويل ميسر لمشروع طاقة متجددة يخفض استيراد الوقود، فإن هذا التمويل لا يمثل مجرد دين جديد، وإنما استثمارًا في خفض الطلب على العملة الأجنبية. وإذا تم تمويل مشروع لوجستي أو صناعي يرفع الصادرات، فإن العائد الاقتصادي يمكن أن يساعد على خدمة التمويل نفسه.

وهنا يمكن أن يكون بنك التنمية الجديد التابع لبريكس أداة مهمة، بشرط أن تنتقل مصر من تقديم مشروعات بنية أساسية ضخمة إلى تقديم حزمة مشروعات ذات عائد اقتصادي واضح، قابلة للتمويل، وتستطيع جذب القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي.

أما الملف الذي قد يكون أحد أهم مخرجات قمة نيودلهي فهو المدفوعات والعملات المحلية.

ومن المهم هنا تصحيح تصور شائع: بريكس لا تتجه بالضرورة إلى إنشاء عملة موحدة في المستقبل القريب، فالاتجاه الأكثر واقعية هو تطوير أنظمة دفع عابرة للحدود وربط البنية التحتية المالية والرقمية وزيادة استخدام العملات الوطنية في التجارة والاستثمار.

وهذا مهم جدًا لمصر لأن تقليل الاعتماد على الدولار في بعض المعاملات التجارية يمكن أن يخفض تكلفة التحويلات ويقلل الحاجة إلى استخدام الدولار كعملة وسيطة، خصوصًا في التجارة مع دول لديها أحجام كبيرة من التبادل التجاري مع مصر.

لكن النجاح هنا يتطلب التدرج، لأن العملات الوطنية ليست متساوية في القوة والاستقرار، كما أن اختلال الميزان التجاري بين الدول يمكن أن يجعل التسويات بالعملات المحلية أكثر تعقيدًا.

ومن الملفات التي يجب أن تعطيها مصر أولوية أكبر أيضًا بنك التنمية الجديد NDB الذي أنشأته بريكس لتمويل مشروعات البنية التحتية والتنمية المستدامة. فالقيمة الحقيقية للبنك بالنسبة لمصر ليست في العضوية وحدها، وإنما في قدرة مصر على تحويل المشروعات الكبرى في الطاقة والنقل والمياه والرقمنة والصناعة إلى مشروعات قابلة للتمويل.

وفي تقديري يجب أن تركز مصر في المرحلة المقبلة على خمسة أهداف اقتصادية واضحة من عضوية بريكس: رفع الصادرات المصرية إلى دول المجموعة، وجذب استثمارات صناعية مباشرة، ونقل وتوطين التكنولوجيا، وزيادة التمويل التنموي، وأخيرًا تطوير آليات للتجارة بالعملات الوطنية.

ويجب أن يكون الهدف الانتقال تدريجيًا بالصادرات المصرية إلى بريكس من نحو 14 مليار دولار حاليًا إلى 20 ثم 25 مليار دولار، مع التركيز على المنتجات ذات القيمة المضافة وليس فقط السلع الأولية.

كما يجب جذب الشركات الصينية والهندية والروسية والإماراتية والسعودية والإندونيسية والبرازيلية إلى التصنيع داخل مصر، وليس الاكتفاء بدخول منتجاتها إلى السوق المصرية.

والأهم هو استغلال الموقع المصري باعتباره حلقة وصل بين بريكس وأفريقيا، فالدولة التي تستطيع أن تقدم للمستثمر الآسيوي أو الروسي ليس فقط سوقًا محلية، وإنما أيضًا بوابة إلى أسواق القارة الأفريقية والعالم العربي وأوروبا، ستكون أكثر قدرة على جذب الاستثمار طويل الأجل.

ومع ذلك يجب ألا ننظر إلى بريكس باعتبارها بديلًا فوريًا للنظام الاقتصادي الغربي أو الدولار، فداخل المجموعة نفسها توجد اختلافات كبيرة بين الصين والهند، وبين روسيا والدول الغربية، وبين إيران وبعض دول الخليج، كما تختلف مصالح الدول الأعضاء في التجارة والسياسة والطاقة. ولذلك فإن مستقبل بريكس الأكثر واقعية هو بناء نظام اقتصادي عالمي أكثر تعددًا في مراكز القوة، وليس إلغاء النظام الحالي واستبداله بنظام آخر بين ليلة وضحاها.

وهنا تكمن أهمية السياسة المصرية المتوازنة، فمصر ليست مطالبة بالاختيار بين بريكس والغرب، وإنما تستطيع أن تتعامل مع الجميع وفق مصالحها الاقتصادية. عضوية بريكس يجب أن تكون أداة لتنويع الشراكات والأسواق ومصادر التمويل والاستثمار، لا أداة للدخول في استقطاب سياسي أو اقتصادي.

ولا شك أن قمة نيودلهي تمثل بالنسبة لمصر نقطة انتقال من مرحلة «العضوية» إلى مرحلة «تعظيم العائد من العضوية».

فنجاح مصر في بريكس لن يقاس بعدد القمم التي تحضرها، ولا بعدد البيانات المشتركة، وإنما بعدد المصانع التي يتم إنشاؤها، وحجم الاستثمارات الجديدة، وقيمة الصادرات التي ترتفع، وحجم التكنولوجيا التي يتم توطينها، وعدد فرص العمل التي يتم خلقها، وحجم الواردات التي يمكن إحلال الإنتاج المحلي محلها.

والهدف الاستراتيجي الأكبر يجب أن يكون تحويل مصر إلى منصة اقتصادية تربط بريكس بأفريقيا والعالم العربي وأوروبا، فمصر تملك الموقع وقناة السويس والسوق والعمالة والبنية الأساسية والموانئ والمناطق الاقتصادية والعلاقات التجارية المتنوعة، وما ينقص هو تعظيم القيمة المضافة لهذه المزايا من خلال الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار والتصدير.

ومن هنا فإن لقاء الرئيس السيسي بالرئيس بوتين يحمل دلالة اقتصادية تتجاوز العلاقات المصرية الروسية، فهو نموذج لما يجب أن تكون عليه مشاركة مصر في بريكس: شراكات استراتيجية تتحول إلى مشروعات، ومشروعات تتحول إلى إنتاج، وإنتاج يتحول إلى صادرات، وصادرات تتحول إلى عملة صعبة وفرص عمل ونمو اقتصادي.

والأهم أن كلمة الرئيس السيسي في القمة طرحت معادلة اقتصادية شديدة الأهمية: لا يمكن تحقيق التنمية المستدامة دون أمن الطاقة، ولا يمكن تحقيق أمن الطاقة دون استثمارات وتمويل، ولا يمكن توفير التمويل دون حيز مالي، ولا يمكن توسيع الحيز المالي دون نمو وصادرات واستثمار وإنتاج.

وهذه هي الحلقة التي يجب أن تعمل مصر على إغلاقها خلال السنوات المقبلة.

فالعالم لا يتجه فقط نحو تعدد الأقطاب السياسية، وإنما نحو تعدد مراكز الإنتاج والتمويل والطاقة والتكنولوجيا والتجارة. وإذا أحسنت مصر استغلال عضويتها في بريكس، فإنها تستطيع أن تنتقل من كونها دولة تشارك في تكتل اقتصادي صاعد إلى دولة تمتلك دورًا محوريًا في الربط بين مراكز الاقتصاد العالمي الجديدة والأسواق الأفريقية والعربية.

فالفرصة الحقيقية أمام مصر ليست أن تكون عضوًا في بريكس، وإنما أن تجعل بريكس تستثمر وتنتج وتصدر من مصر.

وعندها فقط تتحول العضوية من مكسب دبلوماسي إلى قوة اقتصادية حقيقية، ومن حضور في القمم إلى حضور مؤثر في خريطة الاقتصاد العالمي.

د. عبد المنعم السيد
المستشار المالي
مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية

هل تحتاج إلى استشارة اقتصادية متخصصة؟

فريقنا من الخبراء مستعد لمساعدتك في تحليل البيانات الاقتصادية واتخاذ القرارات الاستراتيجية الصحيحة